أكّد العميد إبراهيم بودربالة، رئيس مجلس نواب الشعب، في كلمته بمناسبة افتتاح الدورة العادية الجديدة من المدة النيابية الأولى، أنّ انطلاق أشغال هذه الدورة يكون بإرادة صادقة لإعلاء المصلحة العليا للوطن والاستجابة الفعلية لانتظارات الشعب التونسي، مستحضرا أهمية هذه المرحلة في ضوء ما حققه المجلس خلال الدورات السابقة من منجزات قيّمة وهامة في مختلف أوجه العمل النيابي التشريعي والرقابي وعلى صعيد الدبلوماسية البرلمانية، وهي حصيلة ثرية تمّ استعراضها عند اختتام الدورة الفارطة، بما يستوجب مواصلة تقييمها وتدعيمها لتحقيق التطلعات والآمال في غد أفضل.
وأبرز رئيس مجلس نواب الشعب أنّ التعلّق بالوطن والثقة في الدولة ومؤسساتها يقتضيان مواصلة العمل بثبات وعزيمة من أجل المحافظة على وحدة الدولة وسيادة قرارها والاضطلاع بالدور الدستوري للمجلس، بما يعزز دوره في دعم الاقتصاد الوطني وترسيخ اسس الدولة الاجتماعية، لا سيما من خلال ما تضمّنه مخطط التنمية للفترة 2026-2030، الذي اعتبره وثيقة مرجعية وأداة للدولة في الاستشراف والتعاطي مع المتغيّرات المتسارعة.
وأشار إلى أنّ العمل النيابي خلال هذه الدورة ينبغي أن يقوم على تحديد الأولويات وترتيبها، وأن يتجه إلى البحث عن حلول عملية للعديد من الإشكاليات الهيكلية والمؤسساتية والنقائص التشريعية، فضلا عن معالجة بعض الاستحقاقات الظرفية والمستعجلة. وأكّد أنّ الجهد المبذول لن يكون مثمرا إلا بمزيد من المثابرة وتأكيد الحرص المشترك على بلوغ الغايات المنشودة، التي تتمحور حول تلبية حاجيات المواطن في العيش الكريم، وتطوير الخدمات والمرافق العمومية، وإعادة التوازن للمالية العمومية وتعزيز استدامتها على المدى المتوسط و المدى البعيد، من خلال إرساء مبادئ الشفافية والمساءلة والنجاعة في التصرف، وتنشيط الاستثمار وخلق الثروة، وتكريس الخيارات الوطنية في مجال العدالة الاجتماعية والمجالية وتكافؤ الفرص بين جميع الفئات والجهات.
وشدّد في هذا السياق على أنّ تحقيق هذه الأولويات يقتضي، إلى جانب تضافر الجهود وتكثيفها، تعزيز التكامل والتناغم بين وظائف الدولة ومؤسساتها، بما يضمن تجسيد الخيارات الوطنية على أرض الواقع، وتناسق السياسات المعتمدة وتكاملها، وانسجام الإصلاحات مع الأهداف الوطنية، وإحكام توظيف الموارد والقدرات التي تزخر بها البلاد، فضلا عن تدعيم نجاعة الإنجاز وتسريعه وتعزيز المرونة في التعامل مع التطورات والمستجدات، بما يكفل تحقيق الغايات التي يتفق الجميع على ضرورة بلوغها.
وفيما يتصل بالتحديات الدولية والاستراتيجية، أكّد رئيس مجلس نواب الشعب أنّ مصلحة الوطن واستقلال قراره وسيادته الكاملة تظلّ في صدارة الأولويات، مع الوعي بما قد ينجرّ عن التوترات الجيوسياسية وتطورات الظرف الدولي المتقلّب، الذي يتّسم بحدّة المتغيرات وتقلب أسعار الطاقة والمواد الأساسية. وجدّد التأكيد على الانخراط المسؤول في تعزيز مقومات السيادة الوطنية بمختلف تجلياتها والتعاطي الجدي مع هذه التحديات الاستراتيجية، كلّ في حدود اختصاصاته الدستورية، مبرزا أنّ المجلس سيعمل على مزيد إيلاء الأولوية للمشاريع المرتبطة بتحقيق السيادة الوطنية، ولا سيما في مجالات الأمن الطاقي والمائي والغذائي، باعتبارها ركائز أساسية للتعويل على الذات ودعم الاستقلالية الوطنية. كما أكّد أنّ المجلس سيعمل، بالاستناد إلى الآليات المتاحة له، على تعزيز القدرة على الصمود التي ميّزت الفترة السابقة، وتدعيم ركائز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وبيّن أنّ بناء تونس القوية يتطلب رصّ الصفوف في مواجهة مختلف المخاطر، كما يستوجب دفعا تنمويا شاملا واستعادة عجلة الإنتاج في جميع القطاعات، إلى جانب استرجاع الثقة وتحرير الطاقات وتطوير مناخ الأعمال.
وأكّد، انطلاقا من الإيمان بأنّ العمل وخلق الثروة يمثّلان السبيل لضمان السيادة الاقتصادية، ضرورة إيلاء ملف دفع التنمية الشاملة وخلق مواطن الشغل المستقرة التي تحفظ كرامة العامل الأولوية القصوى، مع التركيز على دعم المبادرات الخاصة والقطاعات الواعدة، على غرار الاقتصاد الرقمي والطاقات المتجددة، بما يضمن تنمية عادلة ومستدامة تشمل جميع الجهات والأقاليم.
كما شدّد على ضرورة أن يرافق هذا التوجّه مزيدا من الحرص على محاربة البيروقراطية المعطّلة وتطوير المرافق العمومية والخدمات الأساسية، باعتبار أنّ مؤسسات الدولة مسؤولة عن ضمان حق المواطن التونسي في خدمات عمومية ذات جودة عالية، وهو حق ثابت كفله الدستور ويحظى بمتابعة دائمة ولصيقة من أعلى هرم الدولة.
وأبرز أنّ مجلس نواب الشعب سيكثّف جهوده التشريعية والرقابية من أجل إصلاح منظومات التعليم العمومي والصحة والنقل، وتأمين الموارد المائية والطاقية، حتى تكون المرافق العمومية أداة لخدمة التونسيين بكفاءة وكرامة.
وفي المجال الاجتماعي والمجتمعي، أكّد الحرص على إيلاء العناية اللازمة لمختلف القضايا المتصلة بهذا الشأن، وتوفير الحماية والوقاية الضروريتين لكافة فئات المجتمع من المخاطر التي تهدّدها، والعمل الجاد من أجل المحافظة على تماسك المجتمع وثوابته وإرثه الثقافي والحضاري، وتحسين الإحاطة، على وجه الخصوص، بالفئات الضعيفة ومحدودة الدخل.
وأكّد في هذا الإطار الإيمان بقيمة العنصر البشري وضرورة تثمين هذه الثروة التي تتميز بها البلاد، والالتزام بضمان التوزيع العادل لثمار التنمية وترسيخ مبادئ التضامن والعدالة الاجتماعية، مع التأكيد على ضرورة إجراء تقييم موضوعي وشامل لمدى نجاعة التحويلات والمنح ومنظومة الدعم.
وفي جانب آخر من كلمته، أشار رئيس مجلس نواب الشعب إلى أنّ مجابهة مختلف التحديات والتغلّب على الرهانات الجسيمة التي تعترض البلاد تستوجب اليقظة ووحدة الصف وروح المسؤولية ونجاعة التدخل، فضلا عن تعزيز التنسيق والتكامل بين الوظيفة التشريعية والوظيفة التنفيذية، وذلك في إطار وحدة الدولة وتأكيد تماسك مؤسساتها.
وأكّد أنّ المجلس يتطلّع، في مستهلّ هذه الدورة الجديدة، إلى سنّ تشريعات تلبي حاجيات المواطن وتمكّنه من تفادي مختلف الأزمات والإشكاليات التي شهدتها بعض الخدمات والمرافق الحيوية، إلى جانب سنّ تشريعات تواكب الاستحقاقات على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وغيرها من متطلبات التنمية الشاملة والعادلة.
كما شدّد على أهمية تكريس دور رقابي مسؤول وبنّاء يسعى إلى إصلاح الأوضاع وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة وتطوير الإدارة وتأمين حسن التصرف في المال العام، مؤكّدا أنّ الأمانة والبذل دون تردّد يمثلان نهج العمل النيابي، بعيدا عن أي تجاذبات أو مصالح ضيّقة، إذ لا مصلحة تعلو على مصلحة الوطن، ولا ينبغي أن تكون هناك لغة غير لغة الإنجاز الفعلي والأثر الإيجابي والملموس.
ودعا في هذا السياق إلى مواصلة العمل المشترك بروح الفريق الواحد، واستشعار جسامة المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتق النواب تجاه الشعب التونسي.
واختتم رئيس مجلس نواب الشعب كلمته بالتأكيد على التمسّك بالجمهورية، متمنيًا لتونس دوام الحرية والاستقلال والعزّة والمنعة، ولشعبها الوفيّ مزيدًا من الرفعة والازدهار.
